نصوص مجزوءة المعرفة النظرية التجربة العلوم الإنسانية الحقيقة
كتبهاعبد الله مرشد ، في 22 نوفمبر 2008 الساعة: 17:16 م
المعرفة
إن العادة والتقليد هما اللذان يقنعاننا أكثر من أية معرفة يقينية. و إنه على الرغم من ذلك لا يمثل تعدد الأصوات حجة ذات بال بشأن الحقائق التي يصعب اكتشافها قليلا لأنه من الأقرب إلى الاحتمال أن يعثر عليها رجل وحيد من أن يعثر عليها شعب بأسره ولما لم أستطع اختيار شخص تكون آراؤه في نظري أفضل من آراء غيره وجدتني مجبرا على السعي إلي قيادة نفسي بنفسي غير أني كمثل رجل يمشي وحيدا في الظلمات قررت أن أسير ببطء وأن أتسلح بجانب من التحري إزاء كل الأشياء بحيث أحتمي من السقوط حتى وإن كنت لم أتقدم إلا قليلا جدا… وأن أبتعد تمام الابتعاد عن التسرع والظن وأن لا أشمل بأحكامي أكثر مما تقدم لفكري بقدر كاف من الوضوح و التميز.
ديكــــــــــــــــــارت: مقالة في الطريقة
الجهل والمعرفة
الجاهل في دلالته الذاتية أما أن يكون عارفا علميا أو عاميا. إن من يرى و بوضوح حدود المعرفة و بالتالي حقل الجهل الذي ينطلق منه جاهل على نحو عارف. و بالعكس إن الجاهل الذي لا يدرك علل جهله وحدوده و لا ينشغل لذلك جاهل على نحو جاهل مثل هذا لا يعرف أنه لا يعرف شيئا ذلك أنه من غير الممكن أن نتمثل جهلنا بطريقة أخرى دون العلم تماما مثل الأعمى لا يمكن أن يتصور الظلمة قبل أن يستعيد البصر.
وهكذا إن معرفتنا بجهل تفترض امتلاك العلم و في نفس الوقت تجعلنا متواضعين في حين أن الاعتقاد في أننا نعرف يضخم الغرور. لقد كانت اللاأعرف السقراطية جهلا جديرا بالمديح و باعترافه كانت معرفة بالجهل. إذن إن الذين يمتلكون قدرا كبيرا من المعرفة و مع ذلك يدهشون من كم الأشياء التي لا يعرفونها لا يمكن لهم أن يتعرضوا لمذمة الجهل.
كـــــــــــــــانط: المــــــنطق
رقابة العقل
يمكن أن نطلق على مثل هذه الطريقة التي تقوم على إخضاع وقائع العقل للفحص وللتأنيب اسم رقابة العقل و مما لا شك فيه أن هذه الرقابة تقود حتما إلي الشك إزاء كل استعمال مفارق للمبادئ. لكن ذلك ليس سوى الخطوة الثانية التي ما تزال بعيدة عن إنجاز العمل. والخطوة الأولى في قضايا العقل خطوة الطفولة وهي دغمائية والخطوة الثانية التي تحدثنا عنها هي ريبية وتشهد بتأني الحاكمة التي هذبتها التجربة والحال أنه يلزم بعد خطوة ثالثة ويعود أمر القيام بها إلى الحاكمة الناضجة والراشدة التي أساسها شعارات ثابتة وكليتها لا غبار عليها والتي تقوم بتفحص لا واقع العقل بل العقل نفسه في قدرته و تمكنه من بلوغ معارف قبلية محضة فالريبية مرحلة يرتاح فيها العقل البشري وفيها يمكنه أن يتذكر الرحلة الدغمائية التي خرج منها للتو، وأن يرسم مخطط البلاد التي يكون فيها من أجل أن يمكنه بعد الآن أن يختار طريقه بأمان أكبر. لكنها ليست موقعا سكنيا للإقامة فيه لأن هذا الموقع لا يمكن أن يعثر عليه إلا بتيقن تام: إما بمعرفة الموضوعات نفسها وإما بالحدود التي تنحصر ضمنها كل معرفتها الماضية.
كــــــــــــانط: نقد العقل المــــحض
تخريف المفاهيم
مهما يكن، يحسن بنا بصفتنا باحثين عن المعرفة, أن لا نكون جاحدين تجاه مثل هذه المحاولات التي تقلب آفاق النظر عاليها سافلها, فضلا عن قلبها للتقديرات الشائعة التي طالما جعلت الفكر يغتاظ من نفسه, دون فائدة تذكر و بصورة مستنكرة: لكن رؤية الأمور بصورة مغايرة، إرادة المرء في أن يرى الأمور على نحو آخر ليست علما بسيطا ساذجا, أو إعدادا ناقصا يهيأ الذهن لـ موضوعيته العتيدة ـ على أن تفهم هذه الموضوعية لا بمعنى التأمل المجرد ( فهذا لا معنى له إنه سخافة) بل بما هي ملكة تمكن الذهن من إبقاء ما له و ما عليه ضمن نطاق صلاحياته وتجعله يتصرف عند الحاجة على نحو يمكنه من استخدام هذا التنوع خدمة للمعرفة بما في ذلك آفاق النظر والتأويلات التي تشوبها الميول والأهواء.
فلنلتزم من الآن فصاعدا جانب اليقظة والحذر, حضرات الفلاسفة, حيال تخريف بعض المفاهيم القديمة الخطيرة, هذا التخريف الذي ابتدع ذاتا عارفة، ذاتا محضا، لا إرادة لها، ولا ألم، ولا تخضع لزمان ولنحترس من أن تمسنا مجسات بعض المقولات المتناقضة, من نوع العقل المحض و الروحانية المطلقة و المعرفة بذاتها : فهنا يطالب البعض منا دائما أن نفكر بعين لا يمكن تخيلها على الإطلاق بعين ينبغي بأي ثمن أن لا يكون لنظرتها أي اتجاه بعين تكون وظائفها العملية والتفسيرية مقيدة أو غائبة والحال أنه ليس ثمة ما يوفر لفعل النظر موضوعه إلا هي. يطلب منا البعض أن تكون العين شيئا أخرق سخيفا بيد أنه ليس ثمة وجود إلا لرؤية من زاوية معينة لمعرفة من منظور معين و ذلك هو كمال الموضوعية.
نيتشه : جينيالوجيا الأخلاق المقالة الثالثة الفقرة 12
البحث عن الحقيقة
ما معني إذن البحث عن الحقيقة ؟…
البحث عن الحقيقة – لنتكلم ببساطة شديدة – هو ذاته مشدود بين قطبين: ثمة من جهة وضعية شخصية و ثمة من جهة أخرى رؤية للوجود. فمن جهة ثمة شيء ما يجب علي أن أكشفه بنفسي, شيء لا أحد غيري له مهمة أن يكشفه. إن كان لوجودي معنى ولم يكن عبثيا، فإن لي موقعا في الوجود هو دعوة لأن أطرح سؤالا لا يمكن لأحد أن يطرحه عوضا عني. إن محدودية وضعي و معلوماتي و لقاءاتي ترسم بعد المنظور المتناهي لاستعدادي للحقيقة.
ومن جهة أخرى أن أبحث عن الحقيقة يعني أن أتطلع إلى أن أقول قولا صالحا للكل, قولا يرتفع على أساس وضعيتي إلى مقام القول الكلي, لا أريد أن أبتدع وأن أقول ما يحلو لي ولكن أريد أن أقول ما هو كائن. فمن صميم وضعيتي أتطلع إلىى أن أكون مرتبطا بالوجود. أن يتعقّل الوجود ذاته في نفسي، ذاك هو مرادي من الحقيقة. وهكذا فإن البحث عن الحقيقة مشدود بين تناهي تساؤلي و انفتاح الوجود.
بول ريكور : التاريخ و الحقيقة 54-55
***
الشك
العلامة الحقيقية للإرادة والسمة الأساسية لهذا التطور المكتمل الذي يؤهل الإنسان ليتأمل العالم من حوله وليكون جديرا بالسيادة والاستقلالية هي إمكانية الشك. أليس من المدهش أن نميز الإنسان المستنير والمثقف حقا بأحكام تجعله عرضة للشك ويعترف بجهله لا أن نميزه من خلال تلك الأحكام التي قد تبدو يقينية لا شك فيها. إن الجاهل نادرا ما يشك, والغبي يشك بدرجة أقل منه أما المجنون فلا يشك على الإطلاق. إن العالم سيكون مختلفا جدا على ما هو عليه لو أتقن أغلبية البشر ممارسة الشك. في هذه الحالة لن يكون البشر عبيدا لعاداتهم ولأحكامهم المسبقة التي يفرون إليها في أغلب الأحيان…. اليقين لا يمكن أن يكون مطلقا, إنه، وهذا ما وقع نسيانه، فعل وحالة إنسانية. ليس الفعل والحالة التي من خلالها يفهم الإنسان مباشرة ما لا يمكن معرفته مباشرة والمقصود بذلك الوقائع والقوانين….. لا وجود ليقين هناك فقط أناس على يقين.
شارل رونوفي: محاولة ثانية في النقد العام ص 365 /366
الفلسفة و العلم
تحت رعاية الرياضيات صار من المناسب التحقق من الأسباب التي تشرف على تكرر الظواهر. إن المعرفة العقلانية لقوانينها يجب أن تعطي للإنسان القدرة على إثارتها على هواه أو على معارضتها وفق المصلحة التي يجدها في ذلك. إن الطبيعة المفرغة من أسرارها تصبح لعبة ميكانيكية بين أيدي الناس فالمهم هو أن يصبح هؤلاء سادة الطبيعة و ملاكها … إن تكريس النموذج الرياضي من أجل فهم معطيات الطبيعة يقوض الشعور الشعري المرتبط بها لقد قطع التحالف بالسم السيطرة فالمعرفة يجب أن تكون مفيدة عقلانية مجردة من المشاعر ومنتجة لما هو فعال اجتماعيا… إن حركة الفكر الذي يسعى لاختزال مجموع حركات العالم أو اضطرابات الوضع البشري في مجموعة من القوانين الموضوعية وفي تكرارات يمكن التنبؤ بها أخذت بالانطلاق و لن تكف عن ممارسة تأثيرها.
دافيد لوبوتون أنتربلوجيا الجسد و الحداثة
***
التقدم التقني
قدم المنهج العلمي الذي مكننا من السيطرة على الطبيعة بفعالية متزايدة مفاهيم محضة و لكنه قدم أيضا مجموع الأدوات التي سهلت سيطرة الإنسان على الإنسان على نحو مطرد الفعالية من خلال السيطرة على الطبيعة فلقد أصبح العقل النظري رغم كونه يبقى محضا ومحايدا خادما للعقل العملي ولقد كان هذا الترابط مفيدا لكليهما أما اليوم فما تزال السيطرة قائمة وازدادت توسعا بفضل التكنلوجيا بما هي تبرر توسع السلطة السياسية واستيعابها لكل مجالات الثقافة.
إن التكنلوجيا في هذا العالم تعقلن أيضا افتقار الإنسان للحرية وتقيم البرهان على أنه يستحيل تقنيا أن يكون الإنسان سيدا على نفسه و أن يحدد نمط حياته الخاصة وبالفعل فإن نقص الحرية لا يبدو واقعة لا عقلانية أو واقعة ذات صبغة سياسية وإنما يعبر بالأحرى عن أن الإنسان خاضع لجهاز تقني يزيد من رغد الحياة ويزيد من إنتاجية العمل. إن العقلانية التكنولوجية لا تضع مشروعية السيطرة موضع اتهام وإنما هي بالأحرى تحميها وأفق العقل الأداتي ينفتح على مجتمع كلياني عقلاني لقد اتخذت حركية التقدم التقني عل الدوام محتوى سياسيا ولقد أصبح لوغوس التقنية لوغوس العبودية المستديمة وقد كان في الإمكان أن تكون قوة التكنلوجيا قوة محررة بتحويل الأشياء إلى أدوات و لكنها أصبحت عقبة في وجه التحرر بتحويلها البشر إلى أدوات.
هربرت ماركيز: الإنسان ذو البعد الواحد
العلم و إفلاس الإنسان
نشهد منذ بداية العصر الحديث تطورا لا مثيل له من قبل في المعارف التي تكوّن العلم والتي تتبنى علنا صفة العلم. ونقصد بالعلم هنا معرفة تكون صارمة وموضوعيّة وغير قابلة للشك وصادقة. و تتميز هذه المعرفة العلميّة عن كلّ الأشكال التقريبيّة، بل المشكوك فيها من المعرفة والمعتقدات والخرافات الّتي سبقتها، بقوة بداهاتها وبراهينها وحججها و بالنّتائج المذهلة التي توصّلت إليها، وهي نتائج قلبت وجه الأرض رأسا على عقب. ولكن من المؤسف أن هذا الانقلاب قد شمل الإنسان ذاته فإذا كانت المعرفة، الّتي هي فهم متزايد للكون، مكسبا لا شك فيه، فلماذا اقترنت هذه المعرفة بانهيار كل ّالقيم الأخرى، وهو انهيار خطر لدرجة أنه يهدد وجودنا نفسه. ففي حين أن كلّ منتجات حضارات الماضي كانت مقترنة صعودا ونزولا وكأنها على توافق تام، شبيهة في ذلك بتعاقب الموج، ها نحن نشاهد قبالتنا ما لا أحد شاهده من قبل: الانفجار العلمي وقد اقترن بإفلاس الإنسان: هذه هي الوحشية الجديدة، وهي وحشية قد لا نتمكن هذه المرّة من تخطيها.
ميشال هنري الوحشيّة
التجريبي والعقلاني
العقل التجريبي ليس من طبيعة الإنسان, يجب أن نميز بين التجريبي والعقلاني وغيره من أساليب التفكير, فالمناهج التجريبية لا تستثمر فقط في مجالاتها التقليدية ( الظواهر الفيزيائية و البيولوجية ), ولا تستعمل فقط في المجالات الإنسانية المستحدثة ( علوم الإنسان ), ولكن أيضا في عديد المجالات الحياتية: حقول الممارسة اليومية, التطبيقات الهندسية, البدائل والأطروحات الأخلاقية والسياسية حتى إن الحديث عن فلسفة تجريبية بات مشروعا اليوم و رغم نزوع هذا المنهج لإعلان سيادته على أغلب مجالات التفكير والعمل فإنه ما زال يفتقد من حيث نتائجه لليقينية, وتطبيقاته الواقعية تجرنا إلى استخلاص طبيعة الخطأ والاتفاقية التي تؤسسه . ومن هنا فالخاصية المميزة للباحث العلمي الأصيل هي الاندهاش إذ عليه أن يتساءل حول مدى صحة الإجابات المقبولة والحلول المتوفرة علميا . لكن النقد لا يكون نقدا إلا إذا كان مؤسسا . فإن كان تفسير ما مقبولا عند الأقدمين , فإن الدهشة وتحديدا وازع إبداع حقيقة جديدة يمثل ماهية وجوهر المعرفة العلمية .
يجب أن نعي بأن المباحث التجريبية , وإن كانت نورنا الأوكد لمعرفة الحقيقة الواقعية فإنها لا تقدر على الإجابة إلا على جزء محدود من التساؤلات الإنسانية ففي هذا العالم المعطى , يعيد العلم زرع شبكات نظامية تتحول بدورها إلى مستنقعات للجهل والخطأ للألم واليأس . فالعقل التجريبي يحوي داخله مشروعية حضور المبحث الميتافيزيقي و حضور القيم الأخلاقية والدينية , إنه يؤكد مطلب بول إلوارد : اتركوني إذن أحكم حول ما قد يساعدني على الحياة …
جان فوراستييه شروط العقل العـلمي ص 250 /251
***
العلم والقيم
خلال ثلاثة قرون احتل العلم القائم على مبدأ الموضوعية مكانة في المجتمع , هذا في مجال العمل لا حياة النفوس و قد بنيت المجتمعات الحديثة على العلم وهي مدينة له بالثروة والقوة والقناعة بأن ثروات وقوى أكبر من ذلك بكثير ستكون غدا في متناول الإنسان إذ هو أرادها ولكن كما أن الاختيار الأول في التطور البيولوجي لنوع من الأنواع قد يقحم مستقبل ذرية كلها في طريق معينة وكذلك الأمر في اختيار الممارسة العلمية اللاواعية في الأصل إذ أنها قد ساقت التطور الثقافي في طريق ذات اتجاه واحد وتلك طريق كانت التقدمية العلمية في القرن التاسع عشر ترى أنها ستنفتح حتما على ازدهار عظيم للإنسانية على حين أننا نرى اليوم هوة الظلمات وحفرا أمام أعيننا … إن العلم يعتدي على القيم لا بصورة مباشرة إذ أنه ليس حكما فيها وعليه أن يجهلها ولكن بصورة غير مباشرة حيث أنه يهدم كل الأنطلوجيات الخرافية التي تقيم عليها التقاليد الإحيائية من شعوب استراليا إلى الجدليين الماديين صرح القيم والأخلاق والواجبات والحقوق والمحرمات… وعندئذ الإنسان الحديث أو بالأحرى يقف ضد العلم الذي يفسر الآن قدرته على التخريب لا تخريب الأجسام بل تخريب النفس ذاتها .
جاك مـــــــــونو : المصادفة و الضرورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : درس, فلسفة, نصوص | السمات:فلسفة, نصوص, درس
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























نوفمبر 22nd, 2008 at 22 نوفمبر 2008 8:57 م
االل