لأنَّ الأخلاق أول ما يطلبه الإنسان من الأديان السماوية، فقد جاءت التصورات التقليدية لترى إلى الأخلاق باعتبارها مفهوماً دينياً سماوياً، وبالتالي لا يمكن الفصل بين الأخلاق والدين. لكن الحداثة، ونعني الحداثة الغربية على الأخص ستشهد لمفكرِّين سعوا إلى تفكيك الرباط داخل تلك الثنائية. فرويد مثلاً سيجد أنَّ مستقبل الدين وهمٌ من الأوهام، وعليه فلا مناص لإنقاذ الأخلاق من أن تصبح وهماً إلاَّ أن يتم عزلها عن الدين وعن المؤسسة الكنسية. وربما أمكن القول: إنَّ تأسيس النظم الأخلاقية غير الدينية وظهور الأخلاق الدنيوية أو الأرضية، من أهم خصائص العالم الغربي في القرن الثامن عشر فما بعد. فبعض النظم الأخلاقية تتصادم وتتعارض مع الأخلاق الدينية، فضلاً عن كونها نظماً علمانية. ويمكن إعطاء مثال على ذلك من الأخلاق الداروينية فهي أخلاق توصي بسحق الضعيف من قبل القوي ؛ لأنَّ ذلك يتطابق وقوانين الطبيعة الصارمة، فكل التعاليم المتضاربة مع الحركة التكاملية لبقاء الأصلح إنَّما هي تعاليم سلبية. وقد أسهب المتألِّهون في مناقشة القيمة الشرعية المنطقية للأخلاق العلمية، لا سيما الأخلاق الداروينية.
ولبيان جدل الإنقطاع والتحولات التي تقلَّب فيها الغرب سنعرض إلى بعض المذاهب التي تخللت سيرورة العقل الأخلاقي الغربي بعد كانط. وهي على الجملة ذهبت إلى النظر في الأخلاق بوصفها معطىً وضعياً ومجتمعياً. منها على سبيل المثال ما ظهر في القرن الثامن عشر ما سُمِّي المذهب الانفعالي ويمثله الفيلسوف الإنكليزي التجريبي ديفيد هيوم (1711 ـ 1776) وهو يرى إن المعارف الحقيقية هي المعارف التي يكتسبها الإنسان عن طريق الحس، ويترتَّب على هذا المذهب أنَّ القضايا الأخلاقية الحقيقية هي تلك المبرزة للأحاسيس والإنفعالات، لا للحقائق الواقعية، ويخلص إلى " أنَّ الأخلاقيات ترجع بالنهاية إلى الإحساس الأخلاقي لا إلى العقل وإدراكاته. ويعدّ المذهب الإنفعالي واحداً من المذاهب الأخلاقية غير التوصيفية. ويتفق هذا المذهب مع المذهب الأشعري (لدى المسلمين) في أنَّه لا يرى إلى أنَّ للأحكام الأخلاقية منشأً واقعياً. بل يعتقد بأنَّها مجرد بيان كاشف عن أحاسيس وعواطف من يطلقها. ويمكن اعتبار المدرسة الوضعية المنطقية (تأسست في فيينا في العقد الثاني من القرن العشرين بزعامة مورتيس شليك) في بعدها الأخلاقي من أهم فروع هذا المذهب.
ـ المذهب الإجتماعي: مؤسسه إميل دوركهايم ( Emile Durkhiem) 1858 ـ 1919، معتقده الأخلاقي على أربعة أحياز:
أ ـ لا وجود للأخلاق من دون المجتمع.
ب ـ المجتمع يملك شخصية مستقلة عن الأفراد.
ج ـ لا بد من اتباع المجتمع في الأخلاق فهو الذي يحدد معادلة الحسن والقبيح.
د ـ معرفة الأعمال الحسنة والقبيحة تكون بالرجوع إلى أخلاقيات المجتمع وآدابه وتقاليده.(…)
ـ مذهب المنفعة: تبنّاه الفيلسوف جرمي بنتام 1848 ـ 1832 ( Jerme Benthams) وجون ستيوارت ميل 1806 ـ 1873(Jhon Stuart Mill) وليس هذا المذهب سوى نسخة معدَّلة من الأبيقورية " فاللذة عند بنتام هي الخير الوحيد والألم هو الشر الأوحد " ويقول جون ستيوارت مل: " اللذة هي المبتغى الأوحد ". فهما يشتركان مع أبيقور في القول ، بأنَّ السعادة هي الخير بالذات ، والسعادة ليست سوى اللذة. ولقد رأى هذان الفيلسوفان أنَّ المشكلة الأساس في الأبيقورية، هي كوها تهتم بالفرد ومصالحه، وتغفل المنفعة العامة(…) على أنَّ الفيلسوفين يختلفان حول كون المنفعة العامة هدفاً أو وسيلة ، رغم اتفاقهما على كونها مطلوبة، وخيراً أخلاقياً. "بنتام" يعتقد أنَّها وسيلة للوصول إلى السعادة الشخصية. أما ستيوارت مل فيعتقد بكونها هدفاً ومطلوباً أصلياً.(…)
ـ المذهب العاطفي: يؤمن العاطفيون عموماً بأنَّ الأفعال التي لها صفة فردية من جميع الجهات (أي نرجع آثارها ونتائجها إلى الشخص الفاعل وحده) لا تقع ضمن دائرة التقييم الأخلاقي(…) من أبرز ممثلي هذا المذهب: آدم سميث ( Adam Smith) (1723 ـ 1790) الاقتصادي وفيلسوف الأخلاق الإنكليزي المعروف ، والألماني آرثر شوبنهاور ( Arthur Senopenhauer) (1788 ـ 1860) والفرنسي أوغست كونت ( Augeste Compt) 1798 ـ 1857.(…)
ـ مذهب القوَّة: يعدّ هذا المذهب ـ الذي دعا إليه الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه (1844 ـ 1900) ـ ردَّة فعل على الأخلاق المسيحية التي تستند إلى المذهب الأخلاقي الرواقي هذا التأثر بالرواقية أدَّى إلى اتجاهات أخلاقية سلبية تدعو الناس إلى الاستسلام للقضاء والقدر، ومن هنا، شعر نيتشه بأنَّ من يتربّى على هذا المذهب، سوف يكون إنساناً خاملاً مستعداً لتحمل الظلم، فانبرى لمواجهة هذا المذهب الأخلاقي ، وثار في وجه الأخلاقيات المسيحية:" اعتراض نيتشه على المسيحية، هو أنها تدعو إلى روحية العبودية في نفوس أتباعها" وتربِّي إنساناً خاملاً وذليلاً، وهذه الأخلاقيات غير مقبولة ، وعلى المذهب الأخلاقي أن يربِّي إنساناً فاعلاً ومؤثِّراً . وهو يقول عن المسيحية:" أنا أدين المسيحية وأحكم عليها بأقسى حكم أصدره مدَّعٍ حتى الآن، وأرى فيها أبشع صور التدمير أذمُّها وأعدُّها لعنة عظيمة، فهي ليست سوى ذل البشرية الخالدة".
يرى نيتشه أنَّ " القوّة" و "السلطة" أساس الأخلاق الفاضلة كلّها. وفي شرحه لنظريته الأخلاقية يرى أنَّ كل موجود حي يحب حياته، ويريد المحافظة عليها، وهذا الأمر يحتاج إلى القوة. لذا فإنَّ الإنسان الضعيف محكوم بالهزيمة والفناء.(…)
وأحسن خلاصة لمذهب نيتشه الأخلاقي، ما يذكره هو بنفسه حين يسأل ثم يجيب:" ما هو الخير . هو الذي ينمّي حس السلطة. ما هو الشر ؟ هو ما يولد من الضعف. ما هي السعادة ؟ هي إحساس ازدياد السلطة، والانتصار على العوائق لا القناعة، بل المزيد من السلطة، ليس السلام بل الحرب، لا الفضيلة بل الذكاء. العاجزون والمرضى ينبغي إعدامهم، وهذا هو الأصل والقاعدة الأولى لحقوق الإنسان ، فما هو الأكثر ضرراً من الفساد ؟ هو العطف على المرضى؛ أي المسيحية".
لكن الفيلسوف الألماني الوجود مارتن هايدغر (Martin Heidegger) سوف يتجاوز القراءة المدرسية التقليدية لنتشيه حين يرى إليه أنَّه آخر الميتافيزيقيين في العالم الغربي. إذ يتكثَّف في فكره السؤال الميتافيزيقي وينجز فيه. وجواب نيتشه عن هذا السؤال هو التالي: إنَّ إرادة الاقتدار هي الطابع الأساسي لكل " كائن " بينما يشكل "العود الأبدي لذات النفس" التعيُّن الأعلى للكينونة.
ويوضح هايدغر أنَّ ما يقصده نيتشه بـ"إرادة الاقتدار" أنَّها ليست إلاَّ تفسيراً لكلمة الإرادة التي تتضمَّن الحركة نحو… التوجه نحو شيء ما… الإرادة هي سلوك يتجه نحو… إنَّ ذلك كله ـ يضيف هايدغر ـ ليس بعد إرادة ولكنه متضمن فيها. فالإرادة هي أن تكون سيداً على ذاتك، إنَّها الخضوع لقيادتنا الخاصة، وهي القرار بأن نخضع لأحكامنا أو التي هي بذاتها تنفيذ(…). على أنَّ التعريف الجوهري للإرادة بحسب تأويلية هايدغر لنيتشه ـ هو أنَّها " ماهية الكائن " وهي وهي تطلُّع نحو اقتدار أكثر ، نحو التعزيز والسمو:" الإرادة هي أن تكون أقوى" وهي تتميز بكونها خلاَّقة كما يكتب نيتشه. والاقتدار هو معنى آخر لـ"الإرادة". ويماثل نيتشه غالباً بين "الاقتدار" و"القوة" دون أن يعطي
















